عبد الوهاب الشعراني

662

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

« إذا قال ابن آدم : لعن اللّه الدّنيا ، قالت الدّنيا : لعن اللّه أعصانا لربّه » . فافهم وأضف الشر والشؤم إلى المكلفين فإنه صدق بخلاف الزمان ، ومن تأمل في نفسه وجد نفسه تحت حكم قضاء اللّه وقدره في كل ما يقع على يديه من المعاصي والشرور فليس في يده دفعها عنه ولا دفع جزائها عنه إذا وقعت ، وكذلك جميع أفعال الظلمة والولاة ، فأمسك يا أخي الأصل وتنزل في الفروع من غير غفلة عن مشاهدة الأصل لئلا تشرك باللّه تعالى شيئا من خلقه على وجه أن لذلك الشيء أثرا في إيجاد الأفعال ، وأضف الأفعال إلى الخلق من حيث الوجه الذي أضافه الحق تعالى إليهم بقوله تعالى : تَفْعَلُونَ [ النحل : 91 ] تَعْمَلُونَ [ البقرة : 74 ] تَكْسِبُونَ [ الأنعام : 3 ] ونحو ذلك . وسمعت سيدي الخواص رحمه اللّه يقول : اجتمع أصحاب سيدي الشيخ سالم أبي النجا الفوى بمدينة فوة بالبحيرة وهو محتضر وكانوا سبعمائة رجل ، فقالوا له أوصنا في هذا الوقت وصية موجزة نحفظها عنك فسكت ، ثم قال اعلموا يا إخواننا أن كل ما في الوجود يقابلكم بشاكلة ما برز منكم من الأعمال الظاهرة والباطنة فانظروا كيف تكونون . قلت وهذا كلام في غاية النفاسة فمن تأمله لم يضف قط إلى الزمان وأهله شيئا إلا على وجه الاستناد لأجل إقامة الحدود والتكاليف كما أشار إليه حديث : « الدّنيا ملعونة ملعون ما فيها إلّا ذكر اللّه وما والاه وعالم أو متعلّم » ا ه . فلولا أنه يصح نسبة الأمور للدنيا ما أخبر الشارع صلى اللّه عليه وسلم أنها ملعونة ، فتأمله واللّه يتولى هداك . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « قال اللّه تعالى : يسبّ بنو آدم الدّهر ، وأنا الدّهر بيدي اللّيل والنّهار » . وفي رواية : « أقلّب ليله ونهاره وإذا شئت قبضتهما » . وفي رواية لمسلم : « لا يسبّ أحدكم الدّهر فإنّ اللّه هو الدّهر » . وفي رواية للبخاري : « لا تسمّوا العنب الكرم ولا تقولوا خيبة الدّهر فإنّ اللّه هو الدّهر » . وفي رواية لأبي داود والحاكم وغيرهما مرفوعا : « قال اللّه عزّ وجلّ : يؤذيني ابن آدم يقول يا خيبة الدّهر ، فلا يقل أحدكم يا خيبة الدّهر فإنّي أنا الدّهر أقلّب ليله ونهاره » . وروى الحاكم والبيهقي مرفوعا : « يقول اللّه عزّ وجلّ استقرضت عبدي فلم يقرضني وشتمني عبدي وهو لا يدري يقول : وادهراه وادهراه وأنا الدّهر » . وفي رواية للبيهقي : « لا تسبّوا الدّهر ، قال اللّه عزّ وجلّ : « أنا الدّهر ، الأيّام واللّيالي أجدّدهما وأبليهما وآتي بملوك بعد ملوك » .